فصل: رجوع المغرور على من غرّه

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الموسوعة الفقهية الكويتية ****


تداوي

التّعريف

1 - التّداوي لغةً‏:‏ مصدر تداوى أي‏:‏ تعاطى الدّواء، وأصله دوي يدوي دوى أي مرض، وأدوى فلاناً يدويه بمعنى‏:‏ أمرضه، وبمعنى‏:‏ عالجه أيضاً، فهي من الأضداد، ويداوي‏:‏ أي يعالج، ويداوي بالشّيء أي‏:‏ يعالج به، وتداوى بالشّيء‏:‏ تعالج به، والدِّواء والدَّواء والدُّواء‏:‏ ما داويته به‏.‏

ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن هذا المعنى، كما تدلّ على ذلك عباراتهم‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - التّطبيب‏:‏

2 - التّطبيب لغةً‏:‏ المداواة والعلاج، يقال‏:‏ طبّ فلان فلاناً أي‏:‏ داواه، وجاء يستطبّ لوجعه‏:‏ أي يستوصف الأدوية أيّها يصلح لدائه‏.‏

والطّبّ‏:‏ علاج الجسم والنّفس، فالتّطبيب مرادف للمداواة‏.‏

ب - التّمريض‏:‏

3 - التّمريض مصدر مرّض، وهو التّكفّل بالمداواة‏.‏ يقال‏:‏ مرّضه تمريضاً‏:‏ إذا قام عليه ووليه في مرضه وداواه ليزول مرضه،وقال بعضهم‏:‏ التّمريض حسن القيام على المريض‏.‏

ج - الإسعاف‏:‏

4 - الإسعاف في اللّغة‏:‏ الإعانة والمعالجة بالمداواة، ويكون الإسعاف في حال المرض وغيره، فهو أعمّ من التّداوي، لأنّه لا يكون إلاّ في حال المرض‏.‏

حكمه التّكليفيّ

5 - التّداوي مشروع من حيث الجملة، لما روى أبو الدّرداء رضي الله عنه قال‏:‏ قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه أنزل الدّاءَ والدّواءَ، وجعل لكلّ داءٍ دواءً، فتداووا، ولا تتداووا بالحرام»، ولحديث أسامة بن شريك رضي الله عنه قال‏:‏ «قالت الأعراب يا رسول اللّه ألا نتداوى ‏؟‏ قال‏:‏ نعم عباد اللّه تداووا، فإنّ اللّه لم يضع داءً إلاّ وضع له شفاءً إلاّ داءً واحداً‏.‏ قالوا‏:‏ يا رسول اللّه وما هو ‏؟‏ قال‏:‏ الهرم»‏.‏

وعن جابر رضي الله عنه قال‏:‏ «نهى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم عن الرّقى، فجاء آل عمرو بن حزم فقالوا‏:‏ يا رسول اللّه إنّه كانت عندنا رقية نرقي بها من العقرب‏:‏ فإنّك نهيت عن الرّقى فعرضوها عليه، فقال‏:‏ ما أرى بها بأساً، من استطاع منكم أن ينفع أخاه فلْيفعل»‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» ولما ثبت من فعل النّبيّ صلى الله عليه وسلم أنّه تداوى، فقد روى الإمام أحمد في مسنده أنّ «عروة كان يقول لعائشة‏:‏ يا أمَّتاه، لا أعجب من فقهك، أقول‏:‏ زوجة رسول اللّه صلى الله عليه وسلم وابنة أبي بكر، ولا أعجب من علمك بالشّعر وأيّام النّاس، أقول‏:‏ ابنة أبي بكر، وكان أعلم النّاس أو من أعلم النّاس، ولكن أعجب من علمك بالطّبّ، كيف هو ‏؟‏ ومن أين هو ‏؟‏ قال‏:‏ فضربت على منكبيه، وقالت‏:‏ أيْ عريّة ‏؟‏ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كان يسقم عند آخر عمره، وكانت تقدم عليه وفود العرب من كلّ وجه، فكانت تنعت له الأنعات، وكنت أعالجها له، فمن ثَمَّ عَلِمْتُ»‏.‏ وفي رواية‏:‏ «أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم كثرت أسقامه، فكان يقدم عليه أطبّاء العرب والعجم، فيصفون له فنعالجه»‏.‏ وقال الرّبيع‏:‏ سمعت الشّافعيّ يقول‏:‏‏"‏ العلم علمان‏:‏ علم الأديان وعلم الأبدان ‏"‏‏.‏

6- وقد ذهب جمهور العلماء - الحنفيّة والمالكيّة - إلى أنّ التّداوي مباح، غير أنّ عبارة المالكيّة‏:‏ لا بأس بالتّداوي‏.‏

وذهب الشّافعيّة، والقاضي وابن عقيل وابن الجوزيّ من الحنابلة إلى استحبابه، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء، وجعل لكلّ داء دواءً فتداووا، ولا تتداووا بالحرام»‏.‏ وغير ذلك من الأحاديث الواردة، والّتي فيها الأمر بالتّداوي‏.‏ قالوا‏:‏ واحتجام النّبيّ صلى الله عليه وسلم وتداويه دليل على مشروعيّة التّداوي‏.‏ ومحلّ الاستحباب عند الشّافعيّة عند عدم القطع بإفادته‏.‏ أمّا لو قطع بإفادته كعصب محلّ الفصد فإنّه واجب‏.‏ ومذهب جمهور الحنابلة‏:‏ أنّ تركه أفضل، ونصّ عليه أحمد، قالوا‏:‏ لأنّه أقرب إلى التّوكّل‏.‏ قال ابن القيّم‏:‏ في الأحاديث الصّحيحة الأمر بالتّداوي، وأنّه لا ينافي التّوكّل، كما لا ينافيه دفع الجوع والعطش والحرّ والبرد بأضدادها، بل لا تتمّ حقيقة التّوحيد إلاّ بمباشرة الأسباب الّتي نصبها اللّه مقتضيات لمسبّباتها قدراً وشرعاً، وأنّ تعطيلها يقدح في نفس التّوكّل، كما يقدح في الأمر والحكمة، ويضعفه من حيث يظنّ معطّلها أنّ تركها أقوى في التّوكّل، فإنّ تركها عجز ينافي التّوكّل الّذي حقيقته اعتماد القلب على اللّه في حصول ما ينفع العبد في دينه ودنياه، ودفع ما يضرّه في دينه ودنياه، ولا بدّ مع هذا الاعتماد من مباشرة الأسباب، وإلاّ كان معطّلاً للحكمة والشّرع، فلا يجعل العبد عجزه توكّلاً، ولا توكّله عجزاً‏.‏

أنواع التّداوي

7 - التّداوي قد يكون بالفعل أو بالتّرك، فالتّداوي بالفعل‏:‏ يكون بتناول الأغذية الملائمة لحال المريض، وتعاطي الأدوية والعقاقير، ويكون بالفصد والكيّ والحجامة وغيرها من العمليّات الجراحيّة‏.‏ فعن ابن عبّاس رضي الله عنهما مرفوعاً «الشّفاء في ثلاثة‏:‏ في شَرْطَةِ مِحْجَم، أو شَرْبةِ عسل، أو كَيَّةٍ بنار، وأنهى أُمّتي عن الكيّ» وفي رواية «وما أحبّ أن أكتوي»‏.‏ وعن ابن عبّاس مرفوعاً «خير ما تداويتم به السّعوط، واللّدود، والحجامة، والمشي» وإنّما كره الرّسول صلى الله عليه وسلم الكيّ لما فيه من الألم الشّديد والخطر العظيم، ولهذا كانت العرب تقول في أمثالها ‏"‏ آخر الدّواء الكيّ ‏"‏ وقد «كوى رسول اللّه صلى الله عليه وسلم سعد بن معاذ وغيره»، واكتوى غير واحد من الصّحابة، فدلّ على أنّ المراد بالنّهي ليس المنع، وإنّما المراد منه التّنفير عن الكيّ إذا قام غيره مقامه‏.‏ قال ابن حجر في الفتح‏:‏ ولم يرد النّبيّ صلى الله عليه وسلم الحصر في الثّلاثة، فإنّ الشّفاء قد يكون في غيرها، وإنّما نبّه بها على أصول العلاج‏.‏ وأمّا التّداوي بالتّرك‏:‏ فيكون بالحمية، وذلك بالامتناع عن كلّ ما يزيد المرض أو يجلبه إليه، سواء كان بالامتناع عن أطعمة وأشربة معيّنة، أو الامتناع عن الدّواء نفسه إذا كان يزيد من حدّة المرض‏.‏ «لقوله صلى الله عليه وسلم لعليّ رضي الله عنه حين أراد أن يأكل من الدّوالي إنّك ناقه»‏.‏

التّداوي بالنّجس والمحرّم

8 - اتّفق الفقهاء على عدم جواز التّداوي بالمحرّم والنّجس من حيث الجملة، لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ «إنّ اللّه لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم» ولقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏«إنّ اللّه أنزل الدّاء والدّواء، وجعل لكلّ داء دواءً، فتداووا، ولا تتداووا بالحرام» وعن عمر رضي الله عنه أنّه كتب إلى خالد بن الوليد ‏"‏ إنّه بلغني أنّك تدلّك بالخمر، وإنّ اللّه قد حرّم ظاهر الخمر وباطنها، وقد حرّم مسّ الخمر كما حرّم شربها، فلا تمسّوها أجسادكم، فإنّها نجس ‏"‏‏.‏

وقد عمّم المالكيّة هذا الحكم في كلّ نجس ومحرّم، سواء أكان خمراً، أم ميتةً، أم أيّ شيء حرّمه اللّه تعالى، وسواء كان التّداوي به عن طريق الشّرب أو طلاء الجسد به، وسواء كان صرفاً أو مخلوطاً مع دواء جائز، واستثنوا من ذلك حالةً واحدةً أجازوا التّداوي بهما، وهي أن يكون التّداوي بالطّلاء، ويخاف بتركه الموت، سواء كان الطّلاء نجساً أو محرّماً، صرفاً أو مختلطاً بدواء جائز‏.‏

وأضاف الحنابلة إلى المحرّم والنّجس كلّ مستخبث، كبول مأكول اللّحم أو غيره، إلاّ أبوال الإبل فيجوز التّداوي بها، وذكر غير واحد من الحنابلة أنّ الدّواء المسموم إن غلبت منه السّلامة، ورجي نفعه، أبيح شربه لدفع ما هو أعظم منه، كغيره من الأدوية، كما أنّه يجوز عندهم التّداوي بالمحرّم والنّجس، بغير أكل وشرب‏.‏

وذهب الحنابلة أيضاً إلى حرمة التّداوي بصوت ملهاة، كسماع الغناء المحرّم، لعموم قوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ولا تتداووا بالحرام»‏.‏

وشرط الحنفيّة لجواز التّداوي بالنّجس والمحرّم أن يعلم أنّ فيه شفاءً، ولا يجد دواءً غيره، قالوا‏:‏ وما قيل إنّ الاستشفاء بالحرام حرام غير مجرى على إطلاقه، وإنّ الاستشفاء بالحرام إنّما لا يجوز إذا لم يعلم أنّ فيه شفاءً، أمّا إذا علم، وليس له دواء غيره، فيجوز‏.‏ ومعنى قول ابن مسعود رضي الله عنه ‏"‏ لم يجعل شفاءكم فيما حرّم عليكم يحتمل أن يكون قاله في داء عرف له دواء غير المحرّم، لأنّه حينئذ يستغني بالحلال عن الحرام، ويجوز أن يقال تنكشف الحرمة عند الحاجة، فلا يكون الشّفاء بالحرام، وإنّما يكون بالحلال‏.‏

وقصر الشّافعيّة الحكم على النّجس والمحرّم الصّرف، فلا يجوز التّداوي بهما، أمّا إذا كانا مستهلكين مع دواء آخر، فيجوز التّداوي بهما بشرطين‏:‏ أن يكون عارفاً بالطّبّ، حتّى ولو كان فاسقاً في نفسه، أو إخبار طبيب مسلم عدل،وأن يتعيّن هذا الدّواء فلا يغني عنه طاهر‏.‏ وإذا كان التّداوي بالنّجس والمحرّم لتعجيل الشّفاء به، فقد ذهب الشّافعيّة إلى جوازه بالشّروط المذكورة عندهم، وللحنفيّة فيه قولان‏.‏

التّداوي بلبس الحرير والذّهب

9 - اتّفق الفقهاء على جواز لبس الحرير للرّجال لحكّة، لما روى أنس رضي الله عنه

«أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ رخّص لعبد الرّحمن بن عوف والزّبير في القميص الحرير في السّفر من حكّة كانت بهما»‏.‏ وروى أنس أيضاً‏:‏ «أنّ عبد الرّحمن بن عوف والزّبير شكيا إلى النّبيّ صلى الله عليه وسلم القمل فأرخص لهما في الحرير، فرأيته عليهما في غزاة» وجاز للمريض قياساً على الحكّة والقمل‏.‏ والمشهور عند المالكيّة الحرمة مطلقاً‏.‏

ونصّ الحنابلة على جواز لبسه في الثّلاث المذكورة، ولو لم يؤثّر لبسه في زوالها، ولكن لا بدّ أن يكون نافعاً في لبسه‏.‏ وأجاز الحنفيّة عصب الجراحة بالحرير مع الكراهة‏.‏

10 - كما اتّفق الفقهاء على جواز اتّخاذ الأنف من الذّهب، وزاد المالكيّة والحنابلة ومحمّد بن الحسن من الحنفيّة‏:‏ السّنّ، وزاد الشّافعيّة‏:‏ الأنملة‏.‏

كما نصّ المالكيّة والحنابلة‏:‏ على جواز ربط السّنّ أو الأسنان بالذّهب‏.‏

والأصل في ذلك أنّ «عرفجة بن أسعد رضي الله عنه قطع أنفه يوم الكلاب، فاتّخذ أنفاً من ورق، فأنتن عليه، فأمره النّبيّ صلى الله عليه وسلم فاتّخذ أنفاً من ذهب»‏.‏

ولما روى الأثرم عن موسى بن طلحة، وأبي جمرة الضّبعيّ، وأبي رافع بن ثابت البنانيّ وإسماعيل بن زيد بن ثابت، والمغيرة بن عبد اللّه، أنّهم شدّوا أسنانهم بالذّهب‏.‏

والسّنّ مقيس على الأنف، وزاد الشّافعيّة في القياس الأنملة دون الأصبع واليد، قالوا‏:‏ والفرق بين الأنملة والأصبع أو اليد أنّها تعمل بخلافهما، وعندهم وجه أنّه يجوز، وإنّما قصر الحنفيّة الجواز على الأنف فقط لضرورة نتن الفضّة، لأنّ المحرّم لا يباح إلاّ لضرورة‏.‏ قالوا‏:‏ وقد اندفعت في السّنّ بالفضّة، فلا حاجة إلى الأعلى، وهو الذّهب‏.‏

تداوي المُحْرِم

11 - الأصل أنّ المحرم ممنوع من الطّيب، «لقول النّبيّ صلى الله عليه وسلم في المحرم الّذي وقصته راحلته فمات‏:‏ لا تمسّوه طيباً» وفي رواية «لا تحنّطوه» فلمّا منع الميّت من الطّيب لإحرامه فالحيّ أولى، ومتى تطيّب المحرم فعليه الفدية، لأنّه استعمل ما حظر عليه بالإحرام، فوجبت عليه الفدية كاللّباس‏.‏

ولم يستثن الفقهاء من هذا الأصل ما لو تداوى المحرم بالطّيب، أو بما له رائحة طيّبة، وأوجبوا عليه الفدية، غير أنّ الحنفيّة خصّوا الحكم بالطّيب بنفسه كالمسك والعنبر والكافور ونحوها، وأمّا الزّيت والخلّ ممّا فيهما رائحة طيّبة بسبب ما يلقى فيهما من الأنوار كالورد والبنفسج فلا يجب عليه شيء إن تداوى بها‏.‏

قال ابن الهمام‏:‏ وإن داوى قرحةً بدواء فيه طيب، ثمّ خرجت قرحة أخرى فداواها مع الأولى، فليس عليه إلاّ كفّارة واحدة ما لم تبرأ الأولى، ولا فرق بين قصده وعدمه‏.‏

وعن أبي يوسف رحمه الله أنّه إذا خضّب ‏(‏أي المحرم‏)‏ رأسه بالوسمة لأجل المعالجة من الصّداع، فعليه الجزاء باعتبار أنّه يغلّف رأسه، قال ابن الهمام‏:‏ هذا صحيح أي فينبغي أن لا يكون فيه خلاف، لأنّ التّغطية موجبة بالاتّفاق، غير أنّها للعلاج، فلهذا ذكر الجزاء ولم يذكر الدّم‏.‏ وعن أبي حنيفة‏:‏ فيه صدقة، لأنّه يليّن الشّعر ويقتل الهوامّ، فإن استعمل زيتاً مطيّباً كالبنفسج والزّنبق وما أشبههما كدهن البان والورد، فيجب باستعماله الدّم بالاتّفاق، لأنّه طيب، وهذا إذا استعمله على وجه التّطيّب، ولو داوى به جرحه أو شقوق رجليه فلا كفّارة عليه، لأنّه ليس بطيب في نفسه، إنّما هو أصل الطّيب، أو طيب من وجه، فيشترط استعماله على وجه التّطيّب، بخلاف ما إذا تداوى بالمسك وما أشبهه، لأنّه طيب بنفسه، فيجب الدّم باستعماله وإن كان على وجه التّداوي‏.‏

وفي حاشية الدّسوقيّ‏:‏ أنّ الجسد وباطن الكفّ والرّجل يحرم دهن كلّ واحد منها كلاً أو بعضاً، إن كان لغير علّة، وإلاّ فلا حرمة‏.‏ وأمّا الفدية فإن كان الدّهن مطيّباً افتدى مطلقاً كان الإدهان لعلّة أو لا‏.‏ وإن كان غير مطيّب، فإن كان لغير علّة افتدى أيضاً، وإن كان لعلّة فقولان‏.‏ وفي الكحل إذا كان فيه طيب حرم استعماله على المحرم رجلاً كان أو امرأةً إذا كان استعماله لغير ضرورة كالزّينة، ولا حرمة إذا استعمله لضرورة حرّ ونحوه، والفدية لازمة لمستعمله مطلقاً استعمله لضرورة أو لغيرها‏.‏

وإن كان الكحل لا طيب فيه فلا فدية مع الضّرورة، وافتدى في غيرها‏.‏

وفي الإقناع للشّربينيّ الشّافعيّ‏:‏ أنّ استعمال الطّيب حرام على المحرم سواء أكان ذكراً أم غيره، ولو أخشم بما يقصد منه رائحته غالباً ولو مع غيره كالمسك والعود والكافور والورس والزّعفران، وإن كان يطلب للصّبغ والتّداوي أيضاً، سواء أكان ذلك في ملبوسه كثوبه أم في بدنه، لقوله صلى الله عليه وسلم‏:‏ «ولا تلبسوا من الثّياب ما مسّه وَرْس أو زعفران» سواء كان ذلك بأكل أم استعاط أم احتقان، فيجب مع التّحريم في ذلك الفدية‏.‏

ولو استهلك الطّيب في المخالط له بأن لم يبق ريح ولا طعم ولا لون، كأن استعمل في دواء، جاز استعماله وأكله ولا فدية‏.‏ وما يقصد به الأكل أو التّداوي لا يحرم ولا فدية فيه وإن كان له ريح طيّبة، كالتّفّاح والسّنبل وسائر الأبازير الطّيّبة كالمصطكى، لأنّ ما يقصد منه الأكل أو التّداوي لا فدية فيه‏.‏ وفي المغني لابن قدامة حرمة التّداوي بما له ريح طيّبة للمحرم‏.‏ أمّا ما لا طيب فيه كالزّيت والشّيرج والسّمن والشّحم ودهن البان فنقل الأثرم عن أحمد أنّه سئل عن المحرم يدهن بالزّيت والشّيرج فقال‏:‏ نعم يدهن به إذا احتاج إليه، ويتداوى المحرم بما يأكل‏.‏ وقد روي عن ابن عمر رضي الله عنهما أنّه صدع وهو محرم فقالوا‏:‏ ألا ندهنك بالسّمن ‏؟‏ فقال‏:‏ لا‏.‏ قالوا‏:‏ أليس تأكله ‏؟‏ قال‏:‏ ليس أكله كالإدهان به‏.‏ وعن مجاهد قال‏:‏ إن تداوى به فعليه الكفّارة‏.‏

أثر التّداوي في الضّمان

12 - ذهب الحنابلة إلى أنّ المجنيّ عليه إذا لم يداو جرحه ومات كان على الجاني الضّمان، لأنّ التّداوي ليس بواجب ولا مستحبّ، فتركه ليس بقاتل‏.‏

وفرّق الشّافعيّة بين علاج الجرح المهلك وغيره، فإن ترك المجنيّ عليه علاج الجرح المهلك ومات، فعلى الجاني الضّمان، لأنّ البرء لا يوثق به وإن عالج، وأمّا إذا كان الجرح غير مهلك فلا ضمان على الجاني‏.‏

التّداوي بالرّقى والتّمائم

13 - أجمع الفقهاء على جواز التّداوي بالرّقى عند اجتماع ثلاثة شروط‏:‏ أن يكون بكلام اللّه تعالى أو بأسمائه وصفاته، وباللّسان العربيّ أو بما يعرف معناه من غيره، وأن يعتقد أنّ الرّقية لا تؤثّر بذاتها بل بإذن اللّه تعالى‏.‏ فعن عوف بن مالك رضي الله عنه قال‏:‏ «كنّا نرقي في الجاهليّة فقلنا‏:‏ يا رسول اللّه كيف ترى في ذلك ‏؟‏ فقال‏:‏ اعرضوا عليّ رقاكم، لا بأس بالرّقى ما لم يكن فيه شرك» وما لا يعقل معناه لا يؤمن أن يؤدّي إلى الشّرك فيمنع احتياطاً‏.‏ وقال قوم‏:‏ لا تجوز الرّقية إلاّ من العين واللّدغة لحديث عمران بن حصين رضي الله عنه «لا رقية إلاّ من عين أو حمّة» وأجيب بأنّ معنى الحصر فيه أنّهما أصل كلّ ما يحتاج إلى الرّقية، وقيل‏:‏ المراد بالحصر معنى الأفضل، أو لا رقية أنفع، كما قيل لا سيف إلاّ ذو الفقار‏.‏ وقال قوم‏:‏ المنهيّ عنه من الرّقى ما يكون قبل وقوع البلاء، والمأذون فيه ما كان بعد وقوعه، ذكره ابن عبد البرّ والبيهقيّ وغيرهما، لحديث ابن مسعود رضي الله عنه مرفوعاً «إنّ الرّقى والتّمائم والتّولة شرك»

وأجيب بأنّه إنّما كان ذلك من الشّرك لأنّهم أرادوا دفع المضارّ وجلب المنافع من عند غير اللّه، ولا يدخل في ذلك ما كان بأسماء اللّه وكلامه، وقد ثبت في الأحاديث استعمال ذلك قبل وقوعه كحديث عائشة رضي الله عنها «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان إذا أوى إلى فراشه نفث في كفّيه ب قل هو اللّه أحد وبالمعوّذتين ثمّ يمسح بهما وجهه»‏.‏ وحديث ابن عبّاس رضي الله عنهما «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم كان يعوّذ الحسن والحسين بكلمات اللّه التّامّة، من كلّ شيطان وهامّة»‏.‏ قال الرّبيع‏:‏ سألت الشّافعيّ عن الرّقية فقال‏:‏ لا بأس أن يرقي بكتاب اللّه وما يعرف من ذكر اللّه‏.‏ قلت‏:‏ أيرقي أهل الكتاب المسلمين ‏؟‏ قال‏:‏ نعم إذا رقوا بما يعرف من كتاب اللّه وبذكر اللّه، وقال ابن التّين‏:‏ الرّقية بالمعوّذات وغيرها من أسماء اللّه هو الطّبّ الرّوحانيّ، إذا كان على لسان الأبرار من الخلق حصل الشّفاء بإذن اللّه تعالى، فلمّا عزّ هذا النّوع فزع النّاس إلى الطّبّ الجسمانيّ‏.‏

تدبير

التّعريف

1 - دبّر الرّجل عبده تدبيراً‏:‏ إذا أعتقه بعد موته، والتّدبير في الأمر‏:‏ النّظر إلى ما تئول إليه عاقبة الأمر، والتّدبير أيضاً‏:‏ عتق العبد عن دبر وهو ما بعد الموت‏.‏

ولا يخرج المعنى الشّرعيّ عن هذا المعنى الأخير‏.‏

حكمه التّكليفيّ

2 - التّدبير نوع من العتق، والعتق مطلوب شرعاً، وهو من أعظم القرب، ويكون كفّارةً للجنايات، إمّا وجوباً أي في قتل الخطأ، والحنث في اليمين ونحو ذلك، أو ندباً أي في قتل العمد عند المالكيّة، وسائر الذّنوب، لأنّ العتق من أكبر الحسنات، وقد قال اللّه تعالى‏:‏

‏{‏إنَّ الحسناتِ يُذْهِبْنَ السّيّئاتِ‏}‏‏.‏ ويعتق المدبّر بعد الموت من ثلث المال في قول أكثر أهل العلم، ويعتق من جميع مال الميّت في قول بعض العلماء كابن مسعود وغيره‏.‏

حكمة مشروعيّته

3 - يؤدّي التّدبير إلى حرّيّة المدبّر بعد موت من دبّره، والشّارع يحرص على تحرير الرّقاب، والتّدبير طريقة ميسّرة لذلك، لأنّه تدوم معه منفعة الرّقيق مدّة حياته، ثمّ يكون قربةً له بعد وفاته‏.‏

صيغته

4 - يثبت التّدبير بكلّ لفظ يفيد إثبات العتق للمملوك بعد موت سيّده، كأن يقول، معلّقاً‏:‏ إذا متّ فأنت حرّ، أو يقول مضيفاً لمستقبل‏:‏ أنت حرّ بعد موتي‏.‏

ولا تفيد الصّيغة حكمها إلاّ إذا صدرت ممّن له أهليّة التّبرّع على سبيل الوصيّة‏.‏

آثاره

5 - الفقهاء مختلفون في الآثار الّتي تترتّب على التّدبير‏.‏ فذهب الحنفيّة والمالكيّة، وهو ظاهر كلام الخرقيّ، وأومأ إليه أحمد إلى‏:‏ أنّه لا يباع، ولا يوهب، ولا يرهن، ولا يخرج من الملك إلاّ بالإعتاق والكتابة، ويستخدم ويستأجر، ومولاه أحقّ بكسبه وأرشه‏.‏

وذهب الشّافعيّة، وهو إحدى الرّوايات عن الإمام أحمد‏:‏ أنّه يباع مطلقاً في الدّين وغيره، وعند حاجة السّيّد إلى بيعه وعدمها‏.‏ لحديث‏:‏ «أنّ رجلاً أعتق مملوكاً له عن دبر، فاحتاج، فقال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ من يشتريه منّي‏.‏ فباعه من نعيم بن عبد اللّه بثمانمائة درهم، فدفعها إليه وقال‏:‏ أنت أحوج منه» متّفق عليه‏.‏

وفسّر الشّافعيّة الحاجة هنا بالدّين، ولكنّه ليس قيداً احترازيّاً، بل هو اتّفاقيّ لما ورد أنّ عائشة رضي الله عنها باعت مدبّرةً لها ولم ينكر عليها أحد من الصّحابة‏.‏

من مبطلاته

6 - من مبطلات التّدبير‏:‏ قتل المدبّر سيّده، واستغراق تركة السّيّد بالدّين‏.‏

وهناك تفصيلات كثيرة وأحكام في المذاهب مختلفة لا حاجة لإيرادها لعدم وجود الرّقّ الآن‏.‏

تدخين

انظر‏:‏ تبغ‏.‏

تدريس

انظر‏:‏ تعليم‏.‏

تدليس

التّعريف‏:‏

1 - التّدليس‏:‏ مصدر دلّس، يقال‏:‏ دلّس في البيع وفي كلّ شيء‏:‏ إذا لم يبيّن عيبه‏.‏ والتّدليس في البيع‏:‏ كتمان عيب السّلعة عن المشتري‏.‏ قال الأزهريّ‏:‏ ومن هذا أخذ التّدليس في الإسناد‏.‏ وهو في اصطلاح الفقهاء لا يخرج عن المعنى اللّغويّ، وهو كتمان العيب‏.‏ قال صاحب المغرب‏:‏ كتمان عيب السّلعة عن المشتري‏.‏

وعند المحدّثين هو قسمان‏:‏ أحدهما‏:‏ تدليس الإسناد‏.‏ وهو‏:‏ أن يروي عمّن لقيه ما لم يسمعه منه، موهماً أنّه سمعه منه،أو عمّن عاصره ولم يلقه موهماً أنّه لقيه أو سمعه منه‏.‏

والآخر‏:‏ تدليس الشّيوخ‏.‏ وهو أن يروي عن شيخ حديثاً سمعه منه فيسمّيه أو يكنّيه، ويصفه بما لم يعرف به كيلا يعرف‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الخلابة‏:‏

2 - الخلابة هي‏:‏ المخادعة‏.‏ وقيل‏:‏ هي الخديعة باللّسان‏.‏

والخلابة أعمّ من التّدليس، لأنّها كما تكون بستر العيب، قد تكون بالكذب وغيره‏.‏

ب - التّلبيس‏:‏

3 - التّلبيس من اللّبس، وهو‏:‏ اختلاط الأمر‏.‏ يقال‏:‏ لبّس عليه الأمر يلبّسه لبساً فالتبس‏.‏ إذا خلطه عليه حتّى لا يعرف جهته، والتّلبيس كالتّدليس والتّخليط، شدّد للمبالغة‏.‏ والتّلبيس بهذا المعنى أعمّ من التّدليس، لأنّ التّدليس يكون بإخفاء العيب، والتّلبيس يكون بإخفاء العيب، كما يكون بإخفاء صفات أو وقائع أو غيرها ليست صحيحةً‏.‏

ج - التّغرير‏:‏

4 - وهو من الغرر، يقال‏:‏ غرّر بنفسه وماله تغريراً وتغرّةً‏:‏ عرّضهما للهلكة من غير أن يعرف‏.‏ ويقال‏:‏ غرّه يغرّه غرّاً وغروراً وغرّةً‏:‏ خدعه وأطمعه بالباطل‏.‏

والتّغرير في الاصطلاح‏:‏ إيقاع الشّخص في الغرر، والغرر‏:‏ ما انطوت عنك عاقبته‏.‏

وعلى هذا يكون التّغرير أعمّ من التّدليس، لأنّ الغرر قد يكون بإخفاء عيب، وقد يكون بغير ذلك ممّا تجهل عاقبته‏.‏

د - الغِش‏:‏

5 - وهو اسم من الغشّ، مصدر غشَّه‏:‏ إذا لم يمحّضه النّصح، وزيّن له غير المصلحة، أو أظهر له خلاف ما أضمره‏.‏ وهو أعمّ من التّدليس، إذ التّدليس خاصّ بكتمان العيب‏.‏

الحكم التّكليفي

6 - اتّفق الفقهاء على أنّ التّدليس حرام بالنّصّ في أحاديث كثيرة‏.‏ فقد قال رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ «البيّعَان بالخيار ما لم يتفرّقا، فإن صدقا وبيّنا بُورك لهما، وإن كَذَبا وكَتَما مُحقت بركةُ بيعهما» وقال عليه أفضل الصّلاة والسّلام‏:‏ «من باع عَيْباً لم يبيّنه لم يزل في مقتِ اللّه، ولم تزل الملائكة تلعنْهُ»‏.‏ وقال صلى الله عليه وسلم‏:‏ «من غشّنا فليس منّا» ولهذا يؤدّب الحاكم المدلّس، لحقّ اللّه ولحقّ العباد‏.‏

التّدليس في المعاملات

7 - لا خلاف بين الفقهاء في أنّ كلّ تدليس يختلف الثّمن لأجله في المعاملات يثبت به الخيار‏:‏ كتصرية الشّياه ونحوها قبل بيعها ليظنّ المشتري كثرة اللّبن، وصبغ المبيع بلون مرغوب فيه، على اختلاف بين الفقهاء في بعض الصّور‏.‏

واستدلّوا لثبوت الخيار بالتّصرية بحديث‏:‏ «من اشترى شاةً مصرّاةً فهو بخير النّظرين‏:‏ إن شاء أمسكها، وإن شاء ردّها وصاعاً من تمر»‏.‏

وقيس عليها غيرها، وهو كلّ فعل من البائع بالمبيع يظنّ المشتري به كمالاً فلا يوجد، لأنّ الخيار غير منوط بالتّصرية لذاتها، بل لما فيها من التّلبيس والإيهام‏.‏

شرط الرّدّ بالتّدليس

8 - لا يثبت الخيار بمجرّد التّدليس، بل يشترط ألاّ يعلم المدلّس عليه بالعيب قبل العقد، فإن علم فلا خيار له لرضاه به، كما يشترط ألاّ يكون العيب ظاهراً، أو ممّا يسهل معرفته‏.‏ ويثبت خيار التّدليس في كلّ معاوضة، كما في البيع والإجارة، وبدل الصّلح عن إقرار، وبدل الصّلح عن دم العمد‏.‏

التّدليس القوليّ

9 - التّدليس القوليّ كالتّدليس الفعليّ في العقود، كالكذب في السّعر في بيوع الأمانات ‏(‏وهي المرابحة والتّولية والحطيطة‏)‏ فيثبت فيها خيار التّدليس‏.‏

التّدليس في عقد النّكاح

10 - ذهب جمهور الفقهاء - المالكيّة والشّافعيّة والحنابلة - إلى أنّه إذا دلّس أحد الزّوجين على الآخر، بأن كتم عيباً فيه، يثبت به الخيار، لم يعلمه المدلّس عليه وقت العقد، ولا قبله‏.‏ أو شرط أحدهما في صلب العقد وصفاً من صفات الكمال كإسلام، وبكارة، وشباب، فتخلّف الشّرط‏:‏ يثبت للمدلَّس عليه والمغرور بخلف المشروط خيار فسخ النّكاح‏.‏ وقال‏:‏ أبو حنيفة وأبو يوسف‏:‏ ليس لواحد من الزّوجين خيار الفسخ لعيب، فالنّكاح عندهم لا يقبل الفسخ‏.‏ وقالوا‏:‏ إنّ فوتَ الاستيفاءِ أصلاً بالموت لا يوجب الفسخ، فاختلاله بهذه العيوب أولى بألاّ يوجب الفسخ، ولأنّ الاستيفاء من ثمرات العقد، والمستحقّ هو التّمكّن، وهو حاصل‏.‏ وقال محمّد بن الحسن‏:‏ لا خيار للزّوج بعيب في المرأة، ولها هي الخيار بعيب في الزّوج من العيوب الثّلاثة‏:‏ الجنون، والجذام، والبرص فللمرأة الخيار في طلب التّفريق أو البقاء معه، لأنّه تعذّر عليها الوصول إلى حقّها بمعنًى فيه، فكان ذلك بمنزلة ما لو وجدته مجبوباً، أو عنّيناً بخلاف الرّجل، لأنّه يتمكّن من دفع الضّرر عن نفسه بالطّلاق‏.‏ والكلام عن العيوب المثبتة للخيار في النّكاح موطنه باب النّكاح‏.‏

سقوط المهر بالفسخ

11 - لا خلاف بين من يقول بالفسخ بالعيوب من الفقهاء في أنّ الفسخ قبل الدّخول، أو الخلوة الصّحيحة يسقط المهر‏.‏

وقالوا‏:‏ إن كان العيب بالزّوج فهي الفاسخة - أي طالبة الفسخ - فلا شيء لها، وإن كان العيب بها فسبب الفسخ معنًى وجد فيها، فكأنّها هي الفاسخة، لأنّها غارّة ومدلّسة‏.‏

وإن كان الفسخ بعد الدّخول، بأن لم يعلم إلاّ بعده فلها المهر، لأنّ المهر يجب بالعقد، ويستقرّ بالدّخول، فلا يسقط بحادث بعده‏.‏

رجوع المغرور على من غرّه

12 - إن فسخ الزّوج النّكاح بعيب في المرأة بعد الدّخول، يرجع بالمهر على من غرّه من زوجة أو وكيل أو وليّ، وإلى هذا ذهب المالكيّة، والحنابلة، وقاله الشّافعيّ في القديم للتّدليس عليه بإخفاء العيب المقارن، وقال الشّافعيّ في الجديد‏:‏ إنّه لا يرجع بالمهر على من غرّه، لاستيفائه منفعة البضع المتقوّم عليه بالعقد‏.‏ أمّا العيب الحادث بعد العقد فلا يرجع جزماً‏.‏ أمّا هل خيار العيب على التّراخي ‏؟‏ وهل يحتاج إلى حكم حاكم ‏؟‏ وحكم ولد المغرور، والتّفصيل في ذلك فيرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏تغرير‏)‏ ‏(‏وفسخ‏)‏‏.‏

المغرور بخلف الشّرط

13 - لو شرط أحد الزّوجين في صلب العقد صفةً من صفات الكمال، ممّا لا يمنع عدمه صحّة النّكاح كبكارة وشباب وإسلام، أو نفي عيب لا يثبت به الخيار كألاّ تكون عوراء أو خرساء، أو شرط ما ليس من صفات الكمال ولا النّقص كطول وبياض وسمرة، فتخلّف الشّرط، صحّ النّكاح، وثبت للمغرور خيار الفسخ‏.‏ عند الجمهور على خلاف وتفصيل يرجع فيه إلى مصطلح‏:‏ ‏(‏تغرير، وشرط‏)‏‏.‏ وقال الحنفيّة‏:‏ لا يثبت الخيار بخلف الشّرط‏.‏

وجاء في فتح القدير‏:‏ فلو شرط وصفاً مرغوباً فيه كالعذرة ‏(‏البكارة‏)‏ والجمال، والرّشاقة، وصغر السّنّ‏:‏ فظهرت ثيّباً عجوزاً شوهاء، ذات شقّ مائل، ولعاب سائل، وأنف هائل، وعقل زائل، فلا خيار له عند أبي حنيفة وأبي يوسف‏.‏

تأديب المدلّس

14 - يؤدّب المدلّس بالتّعزير بما يراه الحاكم زاجراً ومؤدّباً‏.‏

جاء في مواهب الجليل‏:‏ قال مالك‏:‏ من باع شيئاً وبه عيب غرّ به أو دلّسه يعاقب عليه‏.‏ قال ابن رشد‏:‏ ممّا لا خلاف فيه أنّ الواجب على من غشّ أخاه المسلم، أو غرّه، أو دلّس بعيب‏:‏ أن يؤدّب على ذلك، مع الحكم عليه بالرّدّ، لأنّهما حقّان مختلفان‏:‏ أحدهما للّه، ليتناهى النّاس عن حرمات اللّه، والآخر للمدلّس عليه بالعيب فلا يتداخلان، وتعزير المدلّس محلّ اتّفاق بين الفقهاء، ككلّ معصية لا حدّ فيها ولا كفّارة‏.‏

تدمية

التّعريف

1 - التّدمية لغةً‏:‏ من دمّيته تدميةً‏:‏ إذا حزبته حتّى خرج منه دم، ومثله أدميته‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ قول المقتول قبل موته‏:‏ دمي عند فلان، أو قتلني فلان‏.‏ وهو اصطلاح المالكيّة وإن كان غيرهم قد تناول هذه المسألة في باب القسامة ولم يسمّها بالتّدمية‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - الدّامية‏:‏

2 -الدّامية هي‏:‏ جراحة تضعف الجلد حتّى يرشح منه شيء كالدّم من غير انشقاق الرّأس‏.‏ وهي من الجراحات العشر الّتي لها أسماء خاصّة، فهي غير التّدمية الاصطلاحيّة عند المالكيّة، لكنّها والتّدمية لغةً من باب واحدة‏.‏

3 - الإشعار‏:‏ هو إدماء الهدي من الإبل والبقر بطعن أو رمي أو وجء بحديدة، ليعلم أنّه هدي فلا يتعرّض له‏.‏ فالإشعار تدمية لغةً، وليس كما اصطلح عليه المالكيّة‏.‏

الحكم الإجماليّ

4 - اعتبر المالكيّة ‏(‏التّدمية‏)‏ من اللّوث الّذي تثبت به القسامة، إن صدر من حرّ مسلم بالغ عاقل، إن شهد على قوله عدلان، واستمرّ على إقراره، وكان به جرح‏.‏

وتسمّى حينئذ التّدمية الحمراء، وهي إن كان بالمقتول جرح‏.‏

وأثر الضّرب أو السّمّ منزّل منزلة الجرح، والعمل بالتّدمية قول اللّيث‏.‏

أمّا غيرهم فقد رأوا أنّ قول المقتول‏:‏ دمي عند فلان، دعوى من المقتول والنّاس لا يعطون بدعواهم، والأيمان لا تثبت الدّعوى، وإنّما تردّها من المنكر‏.‏

ورأى المالكيّة أنّ الشّخص عند موته لا يتجاسر على الكذب في سفك الدّم، كيف وهو الوقت الّذي يندم فيه النّادم ويقلع فيه الظّالم‏.‏

ومدار الأحكام على غلبة الظّنّ، وأيّدوا ذلك بكون القسامة خمسين يميناً مغلّظةً احتياطاً في الدّماء، ولأنّ الغالب على القاتل إخفاء القتل على البيّنات، فاقتضى الاستحسان ذلك‏.‏

أمّا التّدمية البيضاء، فهي الّتي ليس معها جرح، ولا أثر ضرب، فالمشهور عند المالكيّة عدم قبولها‏.‏ فإذا قال الميّت في حال مرضه، وليس به جرح، ولا أثر ضرب‏:‏ قتلني فلان، أو دمي عند فلان، فلا يقبل قوله إلاّ بالبيّنة على ذلك‏.‏

وتفصيل القول في ذلك في الجنايات، وفي القسامة‏.‏

تديين

انظر‏:‏ ديانة‏.‏

تذفيف

التّعريف

1 - التّذفيف بالذّال وبالدّال في اللّغة‏:‏ الإجهاز على الجريح، وهو قتله، وقال بعضهم‏:‏ هو الإسراع بقتله، يقال‏:‏ ذففت على القتيل‏:‏ إذا أسرعت في قتله، ويقال‏:‏ ذففت على الجريح إذا عجّلت قتله‏.‏ ولا يخرج استعمال الفقهاء له عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الحكم الإجماليّ

يختلف حكم التّذفيف باختلاف مواضعه‏:‏

أ - التّذفيف في الجهاد‏:‏

2 - يجوز التّذفيف على جرحى الكفّار في المعركة، لأنّ تركهم أحياءً ضرر على المسلمين وتقوية للكفّار، والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏جهاد‏)‏‏.‏

ب - الإجهاز على جريح البغاة‏:‏

3 - اختلف الفقهاء في حكم جرحى البغاة بعد انهزامهم أمام المسلمين وتولّيهم‏.‏ فقد نصّ الحنفيّة على أنّه إذا كانت لهم فئة فإنّه يجوز قتل مدبرهم والإجهاز على جريحهم، لئلاّ ينحازوا إلى هذه الفئة، لاحتمال أن يتجمّعوا ويثيروا الفتنة تارةً أخرى، فيكرّوا على أهل الإسلام، وقتلهم إذا كان لهم فئة لا يخرج عن كونه دفعاً، لأنّه لو لم يذفّف عليهم يتحيّزون إلى الفئة، ويعود شرّهم كما كان، وإن لم تكن لهم فئة قائمة يحرم قتل جرحى البغاة‏.‏ والأصل في ذلك قول عليّ رضي الله عنه يوم الجمل‏:‏‏"‏ لا تتبعوا مدبراً، ولا تجهزوا على جريح، ولا تقتلوا أسيراً، وإيّاكم والنّساء وإن شتمن أعراضكم وسببن أمراءكم ‏"‏‏.‏ وقد حمله الحنفيّة على ما إذا لم تكن للبغاة فئة‏.‏ ونقل ابن عابدين عن بعض الحنفيّة أنّ جريح البغاة ومدبرهم يختار الإمام ما فيه المصلحة، تاركاً هوى النّفس والتّشفّي، وإن وجدت الفئة‏.‏ ومذهب المالكيّة في جرحى البغاة يعتمد على مدى تيقّن الإمام من التحاقهم بالبغاة، أو رجوعهم إلى الطّاعة، فإن أمن الإمام بغيهم لا يجوز له اتّباع منهزمهم، ولا التّذفيف على جريحهم، وإن لم يأمن الإمام بغيهم اتّبع منهزمهم، وذفّف على جريحهم، حسب مقتضيات مصلحة الحرب لحصول المقصود‏.‏

ولم يشترط المالكيّة وجود الفئة الّتي يحتمل التّحيّز إليها، لأنّ المصلحة هي الأساس عندهم‏.‏ والتّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏بغاة‏)‏‏.‏

والشّافعيّة قالوا‏:‏ إذا كانت لهم فئة بعيدة ينحازون إليها، ولا يتوقّع في العادة مجيئها إليهم والحرب قائمة، أو غلب على الظّنّ عدم وصولها إليهم، لا يجهز على جريحهم لأمن غائلته، إلاّ إذا كان متحرّفاً لقتال‏.‏ وأمّا إذا كانت لهم فئة قريبة تسعفهم عادةً، والحرب قائمة، فإنّه يجوز اتّباعهم والتّذفيف على جريحهم‏.‏

ونصّ الحنابلة على أنّ أهل البغي إذا تركوا القتال بالرّجوع إلى الطّاعة، أو بإلقاء السّلاح، أو بالهزيمة إلى فئة، أو إلى غير فئة، أو بالعجز لجراح أو مرض، فلا يجهز على جريحهم، وبهذا قال بعض الشّافعيّة‏.‏

وساق ابن قدامة، وبعض الشّافعيّة الآثار الواردة في النّهي عن قتل المدبر والإجهاز على الجريح، ومنها ما روي عن عليّ رضي الله عنه أنّه قال يوم الجمل‏:‏ لا يذفّف على جريح‏.‏ كما روي عن عبد اللّه بن مسعود «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ يا ابن مسعود أتدري ما حكم اللّه فيمن بغى من هذه الأمّة ‏؟‏ قال ابن مسعود‏:‏ اللّه ورسوله أعلم‏.‏ قال‏:‏ فإنّ حكم اللّه فيهم أن لا يتبع مدبرهم، ولا يقتل أسيرهم، ولا يذفّف على جريحهم»‏.‏

ولأنّ قتالهم للدّفع والرّدّ إلى الطّاعة دون القتل، فلا يجوز فيه القصد إلى القتل من غير حاجة ‏(‏ر‏:‏ بغاة‏)‏‏.‏

ج - التّذفيف في الذّبائح‏:‏

4 - من صور الذّكاة ما إذا رمى الصّيد، ثمّ أدركه وبه حياة مستقرّة، فلا يحلّ إلاّ بتذكيته‏.‏ أمّا إن أدركه ولم يبق به إلاّ حركة المذبوح، فذهب الجمهور إلى أنّه يحلّ ولو لم يذفّف عليه، لأنّ حركة المذبوح لا تعتبر حياةً عندهم، وذهب أبو حنيفة - فيما نقل عنه الجصّاص - إلى أنّه لا يحلّ ما لم يذفّف عليه بالتّذكية، لأنّه يعتبر حركة المذبوح حياةً‏.‏ والنّقل الرّاجح عن أبي حنيفة أنّه يوافق الجمهور‏.‏ وينظر التّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏صيد‏)‏ ‏(‏وذبائح‏)‏‏.‏

تذكّر

التّعريف

1 - التّذكير والتّذكّر‏:‏ من مادّة ذَكَرَ، ضدّ نَسِيَ، يقال‏:‏ ذكرت الشّيء بعد نسيان، وذكرته بلساني، وقلبي، وتذكّرته، وأذكرته غيري، وذكّرته تذكيراً‏.‏

وهو في الاصطلاح الشّرعيّ لا يخرج عن المعنى اللّغويّ‏.‏

الألفاظ ذات الصّلة

أ - السّهو‏:‏

2 - السّهو في اللّغة‏:‏ نسيان الشّيء والغفلة عنه وذهاب القلب إلى غيره، فالسّهو عن الصّلاة‏:‏ الغفلة عن شيء منها، قال ابن الأثير‏:‏ السّهو من الشّيء‏:‏ تركه عن غير علم، والسّهو عنه‏:‏ تركه مع العلم، ومنه قوله تعالى‏:‏ ‏{‏الّذينَ هم عن صَلاتِهم سَاهُون‏}‏‏.‏ واصطلاحاً، قال صاحب المواقف‏:‏ السّهو زوال الصّورة عن المدركة مع بقائها في الحافظة، وقيل‏:‏ هو الذّهول عن الشّيء، بحيث لو نبّه له أدنى تنبيه لتنبّه‏.‏

وفي المصباح‏:‏ إنّ السّهو لو نبّه صاحبه لم يتنبّه‏.‏

ب - النّسيان‏:‏

3 - النّسيان‏:‏ ضدّ الذّكر والحفظ، يقال‏:‏ نسيه نسياً، ونسياناً، وهو ترك الشّيء عن ذهول وغفلة، ويطلق مجازاً على التّرك عن عمد، ومنه قوله تعالى‏:‏‏{‏نسوا اللّه فنسيهم‏}‏ أي تركوا أمر اللّه فحرمهم رحمته‏.‏ ويقال‏:‏ رجل نسيان أي‏:‏ كثير النّسيان والغفلة‏.‏ واصطلاحاً‏:‏ هو الذّهول عن الشّيء، لكن لا يتنبّه له بأدنى تنبيه، لكون الشّيء قد زال من المدركة والحافظة معاً، فيحتاج إلى سبب جديد‏.‏

الحكم الإجماليّ

تذكّر المصلّي لصلاته بعد الأكل فيها‏:‏

4 - قال الحنابلة والمالكيّة‏:‏ لا تبطل صلاة من أكل ناسياً وإن كثر، واستدلّوا بحديث‏:‏ «إنّ اللّه وضع عن أمّتي الخطأ، والنّسيان، وما استكرهوا عليه»‏.‏ وذهب الحنفيّة إلى أنّه إذا أكل في الصّلاة ناسياً بطلت صلاته، وإن قلّ‏.‏ وفرّق الشّافعيّة بين القليل والكثير، فإن كان ناسياً فلا تبطل صلاته إذا كان قليلاً‏.‏ وينظر تفصيل ذلك في‏:‏ ‏(‏صلاة‏)‏ ‏(‏ونسيان‏)‏‏.‏

سهو الإمام‏:‏

5 - قال الحنفيّة‏:‏ إذا أخبره عدلان بعدم الإتمام لا يعتبر شكّه، وعليه الأخذ بقولهم‏.‏ أمّا إذا أخبره عدل في صلاة رباعيّة مثلاً أنّه ما صلّى أربعاً، وشكّ في صدقه وكذبه أعاد احتياطاً‏.‏ أمّا إذا كذّبه، فلا يعيد‏.‏ وإن اختلف الإمام والقوم فإن كان على يقين لم يعد، وإلاّ أعاد بقولهم‏.‏ وقال المالكيّة‏:‏ إذا أخبرته جماعة مستفيضة، يفيد خبرهم العلم الضّروريّ بتمام صلاته أو نقصها، فإنّه يجب عليه الرّجوع لخبرهم، سواء كانوا من مأموميه أو من غيرهم، وإن تيقّن كذبهم‏.‏ وإن أخبره عدلان فأكثر فإنّه يعمل بالخبر إن لم يتيقّن خلاف ذلك، وكانا من مأموميه‏.‏ فإن لم يكونا من مأموميه فلا يرجع لخبرهما، بل يعمل على يقينه‏.‏

أمّا المنفرد والمأموم فلا يرجعان لخبر العدلين، وإن أخبر الإمام واحد، فإن أخبر بالتّمام فلا يرجع لخبره، بل يبني على يقين نفسه، أمّا إذا أخبره بالنّقص رجع لخبره‏.‏

وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّ الإمام إذا شكّ هل صلّى ثلاثاً أو أربعاً ‏؟‏ أخذ بالأقلّ، ولا يعمل بتذكير غيره، ولو كانوا جمعاً غفيراً كانوا يرقبون صلاته‏.‏ ولا فرق عندهم بين أن يكون التّذكير من المأمومين أو من غيرهم‏.‏ واستدلّوا بخبر‏:‏ «إذا شكّ أحدُكم في صلاته فلم يَدْرِ أصلّى ثلاثاً أم أربعاً ‏؟‏ فليطرح الشّكّ، ولْيَبنِ على ما استيقن»‏.‏ وقد أجابوا عن المراجعة بين الرّسول صلى الله عليه وسلم والصّحابة، وعوده للصّلاة في خبر ذي اليدين، بأنّه لم يكن من باب الرّجوع إلى قول الغير، وإنّما هو محمول على تذكّره بعد مراجعته لهم، أو لأنّهم بلغوا حدّ التّواتر الّذي يفيد اليقين، أي العلم الضّروريّ، فرجع إليهم‏.‏

وذهب الحنابلة إلى أنّه‏:‏ إذا سبّح اثنان يثق بقولهما لتذكيره، لزمه القبول والرّجوع لخبرهما، سواء غلب على ظنّه صوابهما أو خلافه‏.‏ وقالوا‏:‏ إنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم‏:‏ رجع إلى قول أبي بكر وعمر رضي الله عنهما في حديث «ذي اليدين لمّا سألهما‏:‏ أحقّ ما قال ذو اليدين ‏؟‏ فقالا‏:‏ نعم» مع أنّه كان شاكّاً فيما قاله ذو اليدين بدليل أنّه أنكره، وسألهما عن صحّة قوله، ولأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم أمر بالتّسبيح ليذكّروا الإمام، ويعمل بقولهم‏.‏ ولحديث ابن مسعود رضي الله عنه «أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم‏:‏ صلّى فزاد أو نقص‏.‏‏.‏‏.‏» الحديث، وفيه أنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «إنّما أنا بشر أنسى كما تنسون، فإذا نسيت فذكّروني»‏.‏

وإن سبّح واحد لتذكيره لم يرجع إلى قوله، إلاّ أن يغلب على ظنّه صدقه، فيعمل بغالب ظنّه، لا بتسبيح الغير، لأنّ النّبيّ صلى الله عليه وسلم لم يقبل قول ذي اليدين وحده‏.‏

وإن ذكّره فَسَقَةٌ بالتّسبيح لم يرجع إلى قولهم، لأنّ قولهم غير مقبول في أحكام الشّرع‏.‏

تذكّر الصّائم لصومه وهو يأكل

6 - يرى جمهور الفقهاء أنّ من أكل أو شرب وهو صائم، ثمّ تذكّر وأمسك لم يفطر، لما روى أبو هريرة أنّ رسول اللّه صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ «من أكل ناسياً وهو صائم، فليتمّ صومه، فإنّما أطعمه اللّه وسقاه»‏.‏ وفي رواية أخرى‏:‏ «من أكل أو شرب ناسياً فلا يفطر، فإنّما هو رزق رزقه اللّه»‏.‏

وقال عليّ رضي الله عنه‏:‏ لا شيء على من أكل ناسياً وهو صائم‏.‏

ولأنّ الصّوم عبادة ذات تحريم وتحليل، فكان من محظوراته ما يخالف عمده سهوه كالصّلاة، وهو قول أبي هريرة وابن عمر، وطاووس والأوزاعيّ والثّوريّ وإسحاق‏.‏

وقال بعض الفقهاء‏:‏ يشترط أن يكون الأكل أو الشّرب قليلاً، فإن كان كثيراً أفطر‏.‏

وعند المالكيّة‏:‏ إن أكل أو شرب ناسياً فقد أفطر، وينظر التّفصيل في مصطلح‏:‏ ‏(‏صوم‏)‏‏.‏

تذكّر القاضي لحكم قضاه

7 - ذهب جمهور الفقهاء إلى أنّ القاضي إذا رأى خطأً في حكمه، لم يعتمد عليه في إمضاء الحكم حتّى يتذكّر، لأنّه حكم حاكم لم يعلمه، ولأنّه يجوز فيه التّزوير عليه وعلى ختمه، فلم يجز إنفاذه إلاّ ببيّنة كحكم غيره‏.‏

وإلى هذا ذهب الإمام‏:‏ أبو حنيفة والشّافعيّ وأحمد في إحدى روايتين عنه‏.‏

وفي رواية عن أحمد‏:‏ إذا كان الحكم عنده، وتحت يده جاز الاعتماد عليه، لأنّه في هذه الحالة لا يحتمل التّغيير فيه، وأجاز أبو يوسف ومحمّد بن الحسن العمل بالخطّ إذا عرف أنّه خطّه، ولو لم يتذكّر الحادثة، وإن لم يكن الخطّ بيده، لأنّ الغلط نادر في مثل ذلك، وأثر التّغيير يمكن الاطّلاع عليه، وقلّما يتشابه الخطّ من كلّ وجه، فإذا تيقّن أنّه خطّه جاز الاعتماد عليه، توسعةً على النّاس‏.‏

أمّا إذا شهد عدلان عند القاضي‏:‏ بأنّ هذا حكمه ولم يتذكّر، فقد اختلف الفقهاء في العمل بقولهما‏:‏ فقال المالكيّة وأحمد ومحمّد بن الحسن‏:‏ يلزمه العمل بذلك وإمضاء الحكم‏.‏

وقالوا‏:‏ إنّه لو شهدا عنده بحكم غيره قبل، فكذلك يقبل إذا شهدا عنده بحكم نفسه‏.‏ ولأنّهما شهدا بحكم حاكم، فيجب قبول شهادتهما‏.‏وقال الشّافعيّة‏:‏ إنّه لا يعمل بقولهما حتّى يتذكّر‏.‏

تذكّر الشّاهد الشّهادة وعدمه

8 - إذا رأى الشّاهد بخطّه شهادةً أدّاها عند حاكم، ولم يتذكّر الحادثة، فعند المالكيّة والشّافعيّة، وهي إحدى روايتين عن أحمد‏:‏ لم يشهد على مضمونها حتّى يتذكّر، وإن كان الكتاب محفوظاً عنده لإمكان التّزوير‏.‏

وفي رواية أخرى عن أحمد‏:‏ أنّه إذا عرف خطّه شهد به،وهو رأي أبي يوسف من الحنفيّة‏.‏

تذكّر الرّاوي للحديث وعدمه

9 - أمّا رواية الحديث، فإنّه يجوز للشّخص أن يروي مضمون خطّه اعتماداً على الخطّ المحفوظ عنده، لعمل العلماء به سلفاً وخلفاً‏.‏ وقد يتساهل في الرّواية، لأنّها تقبل من المرأة والعبد، بخلاف الشّهادة‏.‏ هذا عند الشّافعيّة‏.‏

وقال الإمام أبو حنيفة‏:‏ لا يعمل بها لمشابهة الخطّ بالخطّ، وخالفه صاحباه‏.‏

تذكير

انظر‏:‏ تذكّر‏.‏